أبو الليث السمرقندي

469

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

وإنّ الكافر إذا حضر أتته الملائكة بمسح فيه جمرة ، فتنتزع روحه انتزاعا شديدا . ويقال لها : أيّتها النّفس الخبيثة أخرجي ساخطة ومسخوطة إلى هوان اللّه وعذابه ، فإذا خرجت روحه وضعت على تلك الجمرة وإنّ لها نشيجا ويطوى عليها المسح ، ويذهب بها إلى سجّين » . ثم قال اللّه تعالى : الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ يعني إذا بعثوا يوم القيامة يقال لهم : اليوم تجزون عَذابَ الْهُونِ يعني : الهوان أي الشديد بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ في الدنيا غَيْرَ الْحَقِّ بأن معه شريكا وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ يعني : عن الإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وبالقرآن ، ولم تقرّوا به . قوله تعالى : وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى يعني : في الآخرة فُرادى لا ولد لكم ولا مال . الفرادى جمع فرد ، يعني : ليس معكم من دنياكم شيء . كَما خَلَقْناكُمْ يعني : أعطيناكم من المال والولد وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ في الدنيا . وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ يعني : آلهتكم الَّذِينَ زَعَمْتُمْ في الدنيا أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ يعني : قلتم لي شريك ولكم شفعاء عند اللّه . لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ قرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية حفص بَيْنَكُمْ بالنصب وقرأ الباقون بَيْنَكُمْ بالضم فمن قرأ بالضمّ جعل البين اسما ، يعني : تقطع وصلكم ومودتكم . ومن قرأ بالنصب فمعناه لقد تقطع ما كنتم فيه من الشركة بينكم ، فيصير نصبا بالظرف كما تقول : أصبحت بينكم أي فيما بينكم . وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ يعني : اشتغل عنكم ما كنتم تعبدون وتزعمون أنها شفعاؤكم . وقوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 95 إلى 96 ] إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 95 ) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 96 ) إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يعني : يشق الحبة اليابسة ، فيخرج منها ورقا خضرا . ويقال : فالق الحب مثل البر والشعير والذرة والحبوب كلها ، والنوى كل ثمرة فيها نوى مثل الخوخ والمشمش والغيبر والإجاص يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ، وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ، وقد ذكرنا تأويله ذلِكُمُ اللَّهُ يعني : هذا الذي يفعل بكم هو اللّه تعالى : فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ يعني : كيف تكفرون ومن أين تكذبون ؟ فذكر عيب آلهتهم ، ثم دلّ على وحدانيته بصنعته .